" المسخ " _ فرانز كافكا

يناير 30, 2011








أن تُسلم رأسك للمخدة وعينيك للرقاد وتحت وسادتك يقبع كتاب " المسخ "لكافكا لهو أمرٌ بالغ الصعوبة بل قد يصل حد الإستحالة !

فرانز كافكا الفتى التشيكي ذي الديانة اليهودية والنشأة الألمانية جعلني أفضل إكمال روايته على ان أستسلم للنوم وفي روايته بقايا صفحات غير مقرؤة ، مستحيل كيف يمكن أن أنام وانا لمّ أدرِ بعد بالذي حل بغريغور سامسا بعد تحوله الفضيع ؟

فجأة استقيظ الفتى المنهك في عملٍ كئيب مرهق ليجد نفسه حشرة ، صرصار ، خنفساء روث _ كما زعقت بذلك ذات مرة الخادمة العجوز _ استيقظ ليجد ظهره قاسياً محدباً بشكل مؤلم ، وبطنه مليء بحلقات بارزة سمراء وعدة أرجل قصيرة هشة ..
ياإلهي ! كل ما فكرت فيه كيف تحول هكذا بين ليلة وضحاها ، فيما كان هو " غريغور " يُعمل فكره في إيجاد عذرٍ لتخلفه عن رحلة العمل حتى يعود لطبيعته .. مسكين غريغور كل ما وثب لحظتها في دماغه العمل ، العمل الذي يعيله ويعيل أسرته ويجعلها تعيش الحياة بشكلٍ مريح .. حاول النهوض ، أصيب بأكثر من رضة ولكنه كان يقول لنفسه " حسناً سألحق قطار الثامنة " نسي أو تناسى أنه حشرة ، فيما كانت ردة فعل أبيه وامه وأخته ورئيس موظفيه أن تناسوا أن هذا المسخ كان إنساناً .. وبدءاً من اليوم عومل كحشرة بتقزز وإزدراء ، فيما عدا أخته التي بقي في قلبها قليل من حب وذكرى لأخيها فكانت تحرص على إطعامه ..

هل غريغور إنسان في جسد حشرة ؟
أم حشرة كان في يوم من الأيام إنساناً له عملٌ وعائلة ومحبوبة ؟وتلاشى كل هذا وأضحى لازماً ان يعيش بمنطق أي حشرة عاقلة ، يبحث عن أقذر بقايا الأكل والإختباء في الزوايا وتحت الأرائك ، والدوران على الجدران والتعلق على السقف والتأرجح حتى يقع في مرونة وخفة ، أوه لابد أن غرفته التي كانت عالمه يجب أن تُهيء له ، فلتبعد الخزانة والسرير والطاولة ولابأس من الأريكة ليستلذ بالإنحشار تحتها حين تدخل أخته " غريت " .. أخته هكذا فكرت ، وفي داخله سعد بأنها تفكر في راحته بهيئته الجديدة ، لولا أن بقايا إنسانيته أخذت تتأرجح أمام ناظريه ..البرواز الذي صنعه ذات يوم مُعلق على الجدار ، لا لا زلت غريغور وسأعود غريغور هكذا فكرت الحشرة التي صعدت الجدار والتصقت بالذكرى العزيزة لتوحى لغريت وأمها : "أني أنا غريغور ، لا تنسوا ذلك "

النفس البشرية لا يمكنك أن تفكر كيف تفكر أو تتوقع كيف تفكر ، هل تفكر بطريقة المبدأ الفيزيائي " لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار معاكسة لها في الإتجاه " ؟

من النقاط التي استوقفتني أثناء إنغماسي في قراءة الرواية هي هذه النقطة : دبيب غريغور المثابر حينما عزفت غريت الحبيبة ،التفكير المبطن الذي حمله عقل الحشرة وحاولت إيصاله إلى العائلة بالإقتراب والإستماع ، نعم مازلت غريغور المحب لعزف الصغيرة الأثيرة ، لازلت أدمع حين تتدفق الأنغام وتنساب في طبقات الهواء الكامدة الثقيلة ، وإن اختفت خاصية البكاء أو لم تتضح في شكله الممسوخ .

تشبث الحشرة غريغور بإنسانيته دفع العائلة للإنزعاج والعنف حتى أخته التي كانت حريصة على طعامه ، الأب الذي حاول اكثر من مرة سحقه ونسي غريغور الشاب الذي طحن نفسه في عملٍ كريه لأجل راحته ، فيما عدا أمه التي بقيت محايدة ، لمّ تنس انه غريغور .

نهاية غريغور حزينة إقرأو ا " المسخ " لتعرفوها .

إصدار دار العلم للملايين _ ترجمة منير البعلبكي

You Might Also Like

4 التعليقات

  1. فرحت ايما فرح بقراءة مدونتك وحيث اني من عشاق كافكا فقد عاودت قراءتها مرات ومرات
    المسخ رواية رائعة واظن ان كتب كافكا يجب فهمها كاحلام او بالاحرى اننا عند قرائتها تندفع الينا الصور رغما عنا حتى انني اخالها تلاحقني حتى في حياتي اليومية.
    ماذا عن رواية البرج ؟هناك صور سوريالية في كل حدث او رواية المحاكمة لا اعرف اذا قراءتيهما وهما عندي اجمل من رواية المسخ .

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. على ظهر الأعمال الكاملة لكافكا _ دار الحصاد كُتب :
    "قيل عنّ فرانز كافكا بإنّه( جد أعلى ) لكتاب القرن العشرين "
    قراتُ المسخ بترجمة بعلبكي ومنذاك والفتى الألماني يلاحقني بشراسة .. كيف يُممكني أن أجعل صورتي ما قبل كافكا وبعده تصلُ لك عبر الكتابة ؟
    إن هذا الفتى كمن حفر في رأسي عميقاً فاخترق الجلد والعظم ودلف للمادة المخية وتقرفص جالساً فيها بعد لَّحَم الحفرة التي ولج منها وكأنه لم يخترق لحماً أبداً .. فلا ندوب ولا بقعة صلع حملتها بعد أنّ فعل كافكا مافعل .
    الشغف به جعلني أسعى للحصول على الترجمة الجميلة العربية المنقولة مباشرة إلى الألمانية _ دون لغة وسيطة _ لأعماله الكاملة بطريقة مجنونة تماماً لو حكيتُ لكَ تفاصيلها لما صدقتها !
    كافكا كتب الإنسان في هذا العصر بطريقة واضحة تماماً تجهلك تشهق من فرط الدهشة، وتضع يدك على قلبك للألم الذي يحدثه بعد قراءته.
    أعدتُ قراءة المسخ أو الإنمساخ بمعنى أدق بترجمة إبراهيم وطفي ، قرأتُ الحُكم وكتبت في رسالة لصديق بعد قراءتها :
    " أحاولُ كتابة قراءة مبسطة، وأمام المساحات الفراغية أكتشف أن البساطة لا تنصف قراءة لكافكا .. الإعتيادية هي صفة ظاهرية لما يكتب، لكنّ في الحقيقة إشارة إلى ما هو غيرُ إعتيادي .. لاأكذب إنّ قلتُ ان فهمي لنصوصه يبدو سلحفائياً،أقلبُ الصفحاتُ وجلة : وماذا بعد ؟ أولاً : كانَ الحُكم الجائرُ على جيورج مُرعباً لي وقت تلك القراءة، كنتُ حينها متيقنة من سماع صوت إصطدام جسد جيورج بالنهر .. أي ألم أن تحس بسقوط إنسان من فوق جسر، ليموت مع الأسماك التشيكية دون ان تملك يداً تمدها لتنقذه ؟
    ثمُ أعرجُ على كارل روسمان الفتى المرسل لأمريكا بسبب ذنبٍ لم يدر أنه أرتكبه، ليتعلق بالوقاد ... الوقاد الترجمة العربية لعنوان القصة لمحةٌ رائعة من وطفي، ثمّ ... لنؤجل الحديث عن كارل .. بعد أن أعيش تفاصيل حكايته الطويلة المسماة أمريكا الممتدة بلا نهاية .
    لنعد لجيورج،علقت قصة " الحُكم " في ذاكرتي ،غرست أنيابها وجعلتني أفكر : من هو جيورج ؟ هل هو كافكا ؟ يبدو لي الصديق المهاجر لروسيا أمنية كافكا في أن يكون مثل حاله : وحيداً ، منعزلاً ، معدماً ..آنذاك .... إلخ "
    يبدو أني سأفرد تدوينة خاصة بهذه القصة أيها الصديق ..:)
    لكن أتعشم يصل إليك التغيير الذي أحدثه في كافكا بدءاً من نمط التفكير لدي، إلى درجة كتابة قصة عنه بإسم فأس براغ تجدها في تصنيف قصص ، نهاية إلى يومياته العجيبة التي تجعل وسادتك تأكل افكارك ، وتخرجها لك بشكلٍ يشبه ماكتب كافكا ..
    أتعشم ذلك .. ومرورك جعلني فرحة بشكلٍ مجنون !

    ردحذف

Like us on Facebook

Flickr Images

Popular Posts