صداقة الأشياء وغربة الراعي الحزين (46)

سبتمبر 14, 2017

سقف  العمل

أ
أثناء قراءتي لموبي ديك

حاولت البداية من النهاية، نهاية آخر تدوينة، وبعض المسودات المشوشة، إلا أن ذلك قادني لتشتتٍ أكبر وأعمق، وتذكرت النصيحة الأبدية من كُل كاتب: أكتب ماتفيضُ به نفسك وحسب، أكتب حتى لو كان ماتكتبه مملاً ومقيتاً وعامراً بالأخطاء، تدفق فحسب.
 في بداية عملي الجديد كُنت أحاول التعرف على الجدران، والأرض المغطاة بسجاد رقيق مخطط بالألوان: أصفر، رمادي، أحمر، فجأة رفعت رأسي إلي السقف! فهمست بغبطة: أنت صديقي. ومذ تلك اللحظة غدا صديقي الأول في ذلك المكان الغريب.
اعتدتُ على عقد صداقاتي مع الجمادات، أُسامر الثلاجة وأتخيلها تؤدي دوراً معي في مشهدٍ درامي حافل بالدموع، أحادث المرآة لساعات وأسألها عن رأيها في أنفي وأسناني وشعري، وأنا صغيرة إقتنيتُ حقيبة قُماشية فسفورية ذات عينين زرقاوين ناعستين واتخذتهارفيقتي الدائمة إضافة لرفقة نورة الهادئة ذات الشعر القصير الأسود والبشرة القمحية الموردة، افترقنا انا ونورة، صادقتُ وفاء وافترقنا، صادقت اسماء وهند اللطيفات وافترقنا، صادقتُ مروة وافترقنا، في السنة الجامعية الثانية وحيدةً تماماً، وإن جلست مع هذه او تلك من الفتيات اللطيفات، لكنني أدركت أن الوحدة وصداقة الأشياء هي الباقية، فلا زلت رفيقة الثلاجات، والمرآة ناقدي القاسي الأول، فيما اخترت السقف هذه المرة بأنابيبه الضخمة التي تشبه المجاري في أحد مراحل لعبة الفيديو " كراش" .
عقدت صداقة ممتدة علي مدي شهرين مع رواية " موبي ديك" أنا رفيقةٌ جيدة للروايات الملحمية الضخمة ، والمجلدات السميكة فهي تعيش معي لأزمنة طويلة، ترافقني في الأكل والنوم والترحال والأحلام، قد لبث هرمان ملفل عائشاً معي زهاء شهرين، غارسة  شخصية هذا الرجل الأحجل ذو الساق المصنوعة من عاج الحوت في مخي، يختار آخاب تحدي الحياة في نزالٍ مخيف أقوى من الحياة نفسها، تغرق الباقوطة بكامل طاقمها، ويربح آخاب التحدي بموته هازماً الحوت الأبيض  أما اسماعيل  الناجي الوحيد يبقى ليروي لنا تفاصيل رحلة التحويت المهيبة.
تُعلمني الحياة آنذاك أن آخاب على حق، وأن الحياة دون تحقيق الرغبات والتجربة التي تحفر عميقاً في نفسك وتحضك كما لو كانت إنساناً حقيقياً يحادثك في الصحو والمنام والأكل والشرب ليست بحياة، وأن الموت في سبيل الرغبة والتجربة التي تبحث عنها هي الحياة الحقة.
أشاهد الفيلم الذي أنتج سنة ١٩٧٠ ببطولة  غريغوري بيك مؤدياً دور آخاب، يروي الفيلم ذو الزمن البالغ ساعتين فصلاً واحداً أو أقل من موسوعة الحيتان الضخمة تلك، بلا شك العمل الروائي لا يضاهي العمل السينمائي لكني ممتنة للمخرج ولمؤدي دور آخاب إذ ساعدني علي تخيل وجه لآخاب أخيراً بعد أن رافقني في ٦٠٠ صفحة بلا وجه، ضبابي الملامح.

***
في  مجلة العربي يصافحني ذلك المقال المشحون بالشجن، مغموراً برثاء لإحسان عباس، الفسطيني النابغة مترجم موبي ديك، كتبه صديقه الأديب اللبناني" أحمد علبي" في عدد يونيو ٢٠١٧.
حادثتكم أكثر من مرة عن الصدف التي تصنعها الكتب والحكايات أمامي في أكثر من تدوينة. كهذا التزامن لمقالٍ عن المترجم بعد الإنتهاء من موبي ديك، أثناء القراءة بترجمته كنت أحاول رسم صورة ما للكيفية التي عاشها عباس مع الرواية أثناء ترجمتها لتخرج للعالم بمثل هذه اللغة الرائعة، أعتقد أن ملفل لو قرأ الرواية بترجمة عباس لربما داهمه الذهول بتفوقها على لغته التي كتب الرواية بها. هذه الملحمة ستجعلني أبحث عن آثار عباس بفضول كبير لأقرأها يوماً ما، كما أنه يذكرني بعبدالرحمن المُسيري إذ جمع الفن والنقد والفلسفة والترجمة في قالبٍ واحد.
***
هناك مصادفة ثانية مع موبي ديك، تحدث في رواية توني موريسون " ليكن الرب في عون الطفلة"، التي قرأتها محتفلة بالخلاص من الرواية الضخمة، ففي أحد الصفحات يشبه بوكر أخيه آدم ببيب البحار في الصفحة ١٣٣، تعاود "موبي ديك" الإنثيال علي بكل زخمها، شخصية بيب وصورته في الفيلم تندفع لعقلي، أحبُ دوماٍ هذه التقاطعات المتسقة مع قراءاتي بشكلق غريب نوعاً ما.

***
قرأت مقالة هيلين كلير "لو أبصرتُ ثلاثة أيام" لحاجتي لكتابة شيء للعمل عن يوم البصر العالمي، كنتُ بعد انهائها سريعاً مذهولة وحزينة.

***

أكمل كتابة هذه التدوينة التي تأجلت عدة مرات، أكتبها الآن: بجانبي كتاب" تنشئة كارل وايت" الصادر من دار كلمات، أضع مضاد التجاعيد والذي يعني استعدادي للنوم إلا أن رغبة الكتابة وتدوين يوميات القراءة  تشاكسني وتُطير النعاس عن أجفاني الأرقة.

***

" آه ان الريح طروب والحوت ساخرٌ ضحوك
وذيله ناضر
والبحر فتى دعبوب
مرح لعوب
ساخر ضاحك مجان
والرشاش يتطاير
وهذه اصبعه تثير زبدا
حين يتململ في العبير "

موبي ديك ـ هرمان ملفل ترجمة إحسان عباس ص٦٠٤

You Might Also Like

3 التعليقات

Like us on Facebook

Flickr Images

Popular Posts