التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

ورطة القارئ في الأعياد: نصائح لقراءة منعشة خلال أيام الإجازة القصيرة

  تبدو عطل الأعياد بمثابة شهيق طويل نلتقط فيه أنفاسنا، بعد مسيرة الأعمال المحمومة، ودائرة الروتين اليومي، نخلد فيها للوسائد باطمئنان، نلتهم السعادة مع سكاكر الصغار وحلويات العيد. حتى تداهمنا تلك اللحظة الفارغة!  تلك اللحظة التي تقع وسط نهر الزمن اللاهث وتتجمد العقارب فيها فتبحث داخلك وحولك عن ما يمكن أن يملأها: فيلم؟ كتاب؟ أم نزهة مختلفة؟ بالنسبة لي تكون هذه العطل القصيرة  بمثابة احتفال قرائي أختار فيه كتاباً بعشوائية تلائم نمط فوضى هذه الأيام، أسميه كتاب العيد وأغوص فيه بكل حواسي. مررت بعشرات الأعياد، عشت فيها تجارب مختلفة مع كتب عديدة: منها ما كان اختياره في هذا التوقيت موفقاً ورسخ داخلي قراءة لا تنسى، ومنها ما كان اختياره مروعاً! وتحول لزومبي يزورني ليالي العيد الساكنة السوادء وأثناء غيبوبات نعاس العصر الطويل. في هذا المقال سأستعرض معكم بعض هذه التجارب، ولن أنسى إضافة بعض النصائح المركزة للفوز حقاً بقراءة منعشة في هذه الإجازة القصيرة. فرانكشتاين في بغداد: اخترت فرانكشتاين في بغداد دون الاعتبار لتنافر موضوع الرواية الرهيب مع توقيت (العيد).  بدأت بها مساء يوم العيد ...

رسائل، نوفيلا، قصص،٣ كتب سريعة في زمن كورونا

"اكتشفت اليوم فئة من الكتب تستطيع عوالمها أن تنفرج لك في أي وقت فتكتب قراءة مركزة عنها، كما تتميز بصلاحيتها للقراءة في أي وقت: أثناء الانتظارات الطويلة في الشوارع المزدحمة، في الفرجة المسترخية قبل النوم، وسط استراحات الأعمال والمطارات، أو في العوالم السوداء لفجوات الأسِرّةِ العتيقة." تبدو القطعة أعلاه كضربٍ من الخيال الجميل الماض: ازدحام؟ مطارات؟ شوارع؟ ألتمس العذر منكم، قد كتبتها في زمن تلاه مايعاش الآن: حيث أضحت الملامسة كابوساً، والازدحام انجرافاً نحو الهاوية، أما المطارات...تلك الذكرى البعيدة للتحليق التي لاندري متى تعود. كان بالإمكان حذف هذه المقدمة لتناقضها مع واقعنا المعاش، إلا أن هذه التوطئة لازالت مناسبة لخلق تصور عن نوعية الكتب التي اخترت الكتابة عنها اليوم. 84، شارع تشارينغ كروس الرياض، الثلاثاء 12 صباحاً  31 مارس 2020 اليوم الثامن من منع التجول يوم السبت أنهيت مراسلات هيلينا وفرانك، (زفرة طويلة وحارة!) هيلينا هانف: كاتبة وباحثة أمريكية مستقلة، لديها ولع بالطبعات النادرة والقديمة، فرانك دويل: مكتباتي داهية، يعمل في مكتبة ماركس وشركاه المستعملة، التي تقع في 84 شار...

فورمالدهيد!

حينما قررت كتابة قراءة عن رواية المكتباتي لليبي شكري الميدي أجي انبثق هذا العنوان من أرشيف المدونة، وقبل هذا كله هيأت رواية المستر جيكل ومستر هايد لاختياري التالي ولما أغراني هذا العنوان بأن استأنف هذا الموضوع أخذت أنبش موقع البنترست لأجل صورة مناسبة، حتى ظهرت صورة معنونة بـ:  مابين فرانكشتاين ومستر هايد! كانت هذه بداية مثيرة، و تراتيبية جيدة للانطلاق بحماسة للكتابة عما أراد شكري الميدي أن ينقله في رواية المكتباتي بطريقة فريدة ـ وأراه قد نجح في ذلك ـ عبر أجواء قوطية نقلتني لوهلة لإحدى قصص جيمس جويس، وأسلوب بو، إلا أن شكري أعادني باقتدار لصوته هو، ورذاذ المتوسط في بنغازي وطرابلس، و لحركة المسن المكتباتي بين الرفوف المتحجرة كحيوانات ما قبل التاريخ. أراد شكري أن يكتب التاريخ، تاريخ هذه الأرض التي مادت من تحت أقدام المكتباتي الطفل وصولاً لزمن المكتباتي الشيخ، الأراضِ: أزمنة تُخَلد بذكرى أناسها، لذا كانت هذه الحكاية. يبدأ السرد بصوته هو، نعم صوت المكتباتي العجوز ذو الحركة السلحفائية الميتة، ذو البشرة الثلجية المنقطة بالنمش وسط الصحراء الليبية والرجال الزرق، وسط نبذ الناس ل...

نجار في رأسي (47)

أقرأ النباتية(١) الآن. كُنت قد قطعت شوطاً طويلاً حتى وصلت إليها مُعتبرة قراءتي لها الآن احتفاء بمثابرتي كما يجب: ١٥ كتاباً خلال ٥ شهور بواقع ٣ كتب شهرياً. *** تنتمي هذه الرواية لأدب الكارثة، وهي ثاني رواية  كارثية أقرأها خلال الفترة السابقة بعد رواية خرائط يونس للروائي المصري محمود حسني. في كل مرة أحاول التدوين تفترسني رغبة الحديث عن الخمسة عشر كتاباً! فأتبلبل وأضيع، تجاوزت معضلتي هذه بصعوبة في رمضان، ورغم التدوينة الرمضانية المحشورة محاولة مني لنفض غبار رأسي واستئناف الكتابة إلا أنها أتت كمن يطهو للمرة الأولى  ديك رومي ليلة الميلاد! لم أطهو ديكاً رومياً ولا مرة، إلا أن مشاهد ليلة رأس السنة  في الأفلام والمسلسلات جعلتني أقيس التجربة بخيالي وأقيم صعوبتها العظيمة، والتي لا يمكن مقارنتها بأي طبقٍ محلي أو عالمي أعرفه، ومارأيت من لذة في تلك الليلة من تناول لحمٍ طري كالزبد قد جعلتني ألمس صعوبته وتطلب إحساس الطاهي الرقيق في صنع الطبق... ليلة عيد وطبق مستحيل وثلج! معضلة متشابكة تشبه المشاريع الكتابية التي أؤجلها كل مرة، تدوينات ومقالات أحلم بتدوينها. أنا نجار فقد مهارة قطع...

حكايات الطباشير ومذكرات الكتابة والطبخ والأجداد

لوح وطبشورة لم يمنع كفاف البصر جدي أن يعلم أولاده العشرة، ولم تقف الأمية جداراً بين جدتي وبينهم لدفعهم وتشجيعهم عبر نسج حكاياتها الملهمة حتى آخر أيامها، برع أخوالي في مجالات عدة، حتى أمي وخالي (ع) اللذان كانا يظنان افتقارهما للموهبة والتميز كمنت عبقريتهم في شعورهم المرهف وكونهم دودتي كتب شرستين. تعلمت من أمي كيف أقرأ، كانت كتبها المثيرة الممنوعة تتساقط في حضني كهدايا  من السماء، صناديق مجلات الفن والسينما المصرية، مجلات طبية، وأساطير صحراوية مارجة، تمر السطور تحت تحت عيني دون فهم نصفها أو أكثر مما يستفزني لخرق المزيد وقراءة الكتب المخبأة تحت السرير وفي المخزن. حكت لي أمي حكاية عن اللوح الخشبي في بيتهم الطيني الذي غرسه جدي في مركز البيت قائلاً لهم: هذا اللوح ميدان براعتكم .. هنا خطوا الحروف، الكلمات، ضعوا النقاط كما ينبغي وارسموا الجيم وأخواتها بفن. فكانت المحصلة ٣ خطاطين ورسامين، ـ لم أرث هذه الصفة للأسف الميزة فخطي بشعٌ للغاية ـ  وهكذا ورثت من جدي بعضاً من خياله كشاعر فيما شغفت كما جدتي الحكيمة بالقصص والحكايات رحمهما الله رحمة واسعة. *** دانييل جوتليب: دروس الجد لل...

يوميات رمضانية (1)

3 رمضان: الشمس تنشر أشعتها برهافة تناسب عطش الصائمين، النسمات عليلة رغم حرارتها، زقزقة عصافير بعيدة لا تتوقف كأنها بدأت مُذ شروق الشمس واستمرت حتى صار ظل كل شيء مثله. رأسي ثقيل بأحلامٍ ممشجة: لعبة شد الحبل، معارك ضارية، وجوه كثيرة لا أعرفها لكن يجب أن ننتصر عليها … أنقلب للجانب الآخر ورغم ذلك تستمر ذات الأحلام في زيارتي، كُنت أنتظر أحلاماً من نوعٍ ثان، كأن أرى مفاتيح تدوينة جديدة، أو ألمح وميض فكرة مجنونة تساعدني في العودة للكتابة، لكن أياً من ذلك لم يحدث. 2 رمضان : رائحة اللحم المسلوق مع الليمون الأسود، وإعدادات الذهاب لرحلة الإفطار العائلي الكبير. لا شيء في هذا اليوم بالمرة عدا قراءات قصيرة لسيرة الدكتور عبدالرحمن السميط رحمه الله. 1 رمضان: أشبه بقة وقعت في مصيدة عنكبوت بعد أن نمت ليلة أمس وفي داخلي فكرة لإستئناف تدوينتي عبر  فيلمٍ كروتوني شاهدته مع أطفالي الفترة الماضية، حكايات بياتركس بوتر المترجمة، والسير السعيدة لعدة كُتاب. أنام والأفكار تنمو داخل عقلي مهزوزة ومريضة كنباتاتٍ واهية متطفلة، أذهب للعمل الساعة الحادية عشرة وظلال الأفكار يتلاشى. 30 شعبان: عدت من الع...

صداقة الأشياء وغربة الراعي الحزين (46)

سقف  العمل أ أثناء قراءتي لموبي ديك حاولت البداية من النهاية، نهاية آخر تدوينة، وبعض المسودات المشوشة، إلا أن ذلك قادني لتشتتٍ أكبر وأعمق، وتذكرت النصيحة الأبدية من كُل كاتب: أكتب ماتفيضُ به نفسك وحسب، أكتب حتى لو كان ماتكتبه مملاً ومقيتاً وعامراً بالأخطاء، تدفق فحسب.  في بداية عملي الجديد كُنت أحاول التعرف على الجدران، والأرض المغطاة بسجاد رقيق مخطط بالألوان: أصفر، رمادي، أحمر، فجأة رفعت رأسي إلي السقف! فهمست بغبطة: أنت صديقي. ومذ تلك اللحظة غدا صديقي الأول في ذلك المكان الغريب. اعتدتُ على عقد صداقاتي مع الجمادات، أُسامر الثلاجة وأتخيلها تؤدي دوراً معي في مشهدٍ درامي حافل بالدموع، أحادث المرآة لساعات وأسألها عن رأيها في أنفي وأسناني وشعري، وأنا صغيرة إقتنيتُ حقيبة قُماشية فسفورية ذات عينين زرقاوين ناعستين واتخذتهارفيقتي الدائمة إضافة لرفقة نورة الهادئة ذات الشعر القصير الأسود والبشرة القمحية الموردة، افترقنا انا ونورة، صادقتُ وفاء وافترقنا، صادقت اسماء وهند اللطيفات وافترقنا، صادقتُ مروة وافترقنا، في السنة الجامعية الثانية وحيدةً تماماً، وإن جلست مع هذه او تلك ...