التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص

العجوز القافز

لايدري العجوز كيف حدث ماحدث، كل مايعلمه ويحسه هو الخفقان القوي داخل صدره، هو متيقن من أن داخل قفصه الصدري الآن عصفور لا قلب، فما يحدث له يتجاوز أي منطق أو قاعدة .... لدرجة  أنه متأكد من حدوث شيء خارق له في اللحظات القادمة : فإما أن  يموت أو ينقلب لطفلٍ رضيع بلا ريب . كان يجزُ شجر الحديقة ... عندما صدحت الأغنية !  انهمرت الدموع من عينيه كشلال متدفق من العدم ، وامتدت عظام السُلامى في قدمه حتى مزقت حذاءه الخاص بالمزرعة، وتساقطت أسنانه دفعة واحدة، ثم بدأ يقفز ! ليست الحكاية أنها مجرد قفزة عادية، لقد قفز ثم قفز وقفز وقفز بلا نهاية، وكان يشعر بأن أحشائه بحالٍ غريبة، كان يشعر بكبده وطحاله وقلبه وكأنهم في حفلة راقصة .. يقول الجيران أنه جز عشب الحديقة كُله في ٤ ثوان ! وسمعوا صوت تكسر خشب في المساء،  وحين إستيقظوا وجدوا باب بيته محطماً بفظاعه، وصالونه البسيط مكشوف للملأ وعامر بالطيور والحيوانات الضالة ...... أما العجوز : فلم يكن له من أثر .

كيفَ تُرتدى الأحذية ؟

دخل السوق لشيءٍ ما ونسيه، ورآها أمامه بحذاءها المقلوب وأصبح يفكر فيها، فجأة إمتد إنزعاجه من حذائها حداً لا يطاق وأصبح يسير خلفها في أروقة السوق وهمه الأوحد والأخير أن يصل لطريقة يعدل فيها حذائها .. وكأنما تلك المهمة هي المهمة الأخيرة في حياته ، يستكمل خطواته وأمامه تسير المرأة بشالها الملفوف حول رقبتها ورأسها وخصلات شعرها المنساب كماء علي ظهرها ، تتأرجح مؤخرتها النحيلة المشدودة تأرجحاً مدروساً، ويكاد يصرخ داخله كيف تتمكن من السير بثقة هكذا بهذين النعلين المقلوبين ؟ يكز على أسنانه ويجد في المشي ورائها ...تغوص داخل السوق  .. السوق حار وخانق وتلك اللعينة تمشي أمامه بنعلين متنافرين ، تتأرجح تفاحة آدم في عنقة ويستطعم ريقه المر العطشان،  ويزدرد عطشه ولا يستطيع بلع حنقه من المرأة التي تمشي بثقة بهذين النعلين  بل تتوقف أمام محل إكسسورات وتجرب الخواتم والأساور وتصطاد الخلاخيل وتقلبها بين يديها . يدعو الله أن تجرب خلخالاً لتنتهي هذه المعاناة ... سيصرخ قبل أن ترتدي الخلخال ويقول لصاحب الكشك نصف السكران أنّ نعليها معكوسان ويجب أن تعدلهما ... ترمي الخلاخيل بعصبية وتبصق على ال...

إنتقام الحمار

برفقة ببغاءه وحماره الوحشي _الذي اشتراه من تاجر حيوانات وضيع _ دخل الحمامات العامة، الخالية من الناس، كانت الساعة الثانية ليلاً ..نظر للمرأة الممطوطة  في مدخل الحمامات : كان يرتدي قميصاً ذا لونٍ أخضر بشع ، ولم تكفه بشاعة هذا اللون بل لُطخ ببقع عشوائية حمراء اللون ! أما سرواله فكان أزرقاً داكناً ...حاول التذكر متى إرتدى هذه الثياب الغريبة،  و لمّ يفلح ! لعن زوجته في سره لابد أنها من فعل ذلك، لقد أصبحت مجنونة مذ عرفت بخيانته مع  ليزا، إنها مجنونة حقاً .. أحس بالرعب  فجأة ،وداهمته رغبة شديدة بالتبول.. لقد قالت له ذات مرة بأنها ستقتله بطريقة لا يتخيلها، مثلاً : ستضع بجانبه في السرير تمساحاً ضخماً .. كانت تقهقه وهي تهدده بذلك ببساطة وإستمتاع كأنها تقول نكتة بذئية. سال البول على فخذيه ولطخ سرواله الأزرق. إحتضن الحمار الوحشي وإستند في الفراغ بين مغسلتين للأيدي وبكى... كان بكاؤه في البداية بلا صوت، ثم اندفع نشيجه كالأطفال.  نهق الحمار، وطارت الببغاء الإفريقية ذات الألوان الزاهية المتناسقة في فضاء دورة المياة الخالية. إستيقظ ودموعه اليابسة ترسم خطوطاً طولي...

حوادث صغيرة

كان تناولي للبيض المخفوق مع العسل من أولى مغامراتي وأنا طفلة ... لقد ناولني أبي كوباً  مملوءاً بسائل برتقالي ظننته عصير برتقال لأكتشف بعد أن اخترقتني كثافة البيض السائل أن أبي كان يبحث عن علاج لسعالي المزمن في وصفة شعبية قوامها بيضٌ نيء وعسل لانجنيز الألماني  *** سرقتُ مثلجات خالي الذي يكبرني بأربعة أعوام  من الفريزر في بيت جدي وجدتي، عاقبني بأن استغل فضولي في أحد الأيام. طلب مني أن أرى ما داخل حاوية القمامة أمام البيت لتقفز قطةٌ سوداء على وجهي! حرفياً :  لقد قفزت عليه، لتتسلق فمي وأنفي وشعري وتحدث خدوشاً فيه، ونِدبةً لازلت أحملها داخلي حتى الآن على هيئة رعبٍ من القطط . *** قصصتُ شعري .. لا أذكر سوى أني أردته قصيراً مثل ما يُسمى : " الكاريه الفرنسي" .. لكنه غدى أقصر من ذلك كشعر الأولاد بخصلاتٍ طويلة كستنائية .. في البداية قمت بتسريحة كجديلةٍ على ظهري ومن ثمَّ أمسكتُ المقص بيدي اليمنى عمودياً للأسفل بوضع مقلوب .. وقصصته ! لقد غضبت مني أمي .. لكن صديقتي نورة ذات الشعر المتقن القصير قالت : أنها قصةٌ بديعة .. أما جارتنا أم بسام قالت لي : _أثناء زيارة الجيران الص...

بثرة

لست أدري متى بدأ الموضوع، كل ماأذكره هو النغزة الخفيفة للزاوية العلوية في شفتي اليسرى وأنا أقضم قطعة البيتزا الأولى.... كان ذلك مساءاً بعد أن إستيقظتُ من نومٍ عنيف مليء بالكوابيس، لم يكن هناك شيءٌ غيرُ إعتيادي في هذا اليوم، يوم سبتٍ بارد، إستيقظت فيه صباحاً وخرجت من حجرتي دون إفطار لأركب ( الميني باص ) ملتحفة عباءتي وعيناي تتلصصان من وراء النقاب كخفاشٍ مريض، وصلنا إلى المدرسة  التي تبعد قرابة كيلومتر واحد في المجمع السكني الذي أسكنه بعد أن انتقلت من مدينتي الصغيرة للعاصمة لأجل التدريس، لم يحدث شيء .. خمسُ حصص مزدحمة بضجيج المراهقات ورائحة الحموضة الخانقة لمزيج رائحة الفلافل والعرق، والحصة السادسة إستدعتني المديرة لأدرس فوق نصابي مادة الرياضيات.... تذكرتُ الآن الذي جعل قيلولتي تمتد إلى التاسعة وتزدحم بالكوابيس والصراخ! طلبت مني تدريس الصف الثاني مادة الرياضيات لإن المُدرسة الأساسية مريضة بوحام حَبَلْ الشهور الأولى، رفضتُ بكياسةلإن تخصصي علوم وليس رياضيات، فقالت بحزمٍ آمر ومقيت وهي تقلب بضع ورقات بيضاء مصفوفة على مكتبها ذي الزجاج الأسود : " يجب أنّ تدرسيهم، لا يوجد غيرك " ...

ندوبُ مدينة

" إتخذَ قرارهُ هذا الصباح ...كان هذا القرارُ في الأصلِ فكرةً تمورُ شأنها كُلَ الأفكارِ في رأسه، تُحدثُ جلبةً خفيفة بعد مورانها وحركتها كُلِ صباح فيملأ النكدُ مزاجه لثوان ٍ، يقتلهُ بكوبِ قهوةٍ مُر،  ومعهُ تموتُ كُل الأفكار كأنها لمّ تكنّ .. إلا هذه الفكرة التي وثبت على سطح أفكاره فجأة! ثمَّ نَمَت بسرعةٍ طفيلية مخيفة لتُصبح قراراً، ثمَ فعلاً بدأ في تنفيذه .. فارتدى ثوبهُ القطني الأبيض، وضعَ كُلَ زرٍ من أزرار ثوبه في مكانه، التفتَ إلى الخلف ليرى شماغه * المنطرح على السرير، عاود النظر ‘إلى مرآته .. هالهُ كمية الشعر الأبيض الملتهمة رأسه في فوضى شعثه وغبرته وخُصَلهِ الطويلة، اقترب من المرآة حتى التصق أنفه بسطحها، تحسس وجهه وتلمس الشعيرات الشهباء القليلة فوق شفتيه وعلى لحيته وعارضيه، اببتعدَ قليلاً .. رأى نفسه حقيقياً أكثر وإنسانياً أكثر بلا أسمالٍ تعتلي هامته، فأبعد فكرة إرتداء الشماغ عن رأسه .. ولولا أنّ الشرطة لنَ تلاحقه، والجيرانَ لنّ يقذفوهُ بالحجارة لخرج عارياً إلا من خرقةٍ تُغطي سوأته . فتحَ الباب وخرجَ إلى المدينة، خرج إلى الشارع الأسود، مضى زمانٌ طويل مُذ خرجَ من هذا الباب...

ليموزين !

" كانت الساعة الثالثة صباحاً عندما رن الهاتف لأول مرة ولكنه توقف، وما أن وضعت رأسي من جديد لأنام حتى سمعت بعض الطرق على باب غرفتي، كان الطرقُ رقيقاً لكنّه مُتلاحق يشي بإضطراب الطارق .. فتحتُ الباب ورأبتُ عبد الحكيم بوجه مُصفر يميلُ إلى الخضرة كانَ يرفعُ نظارته لأعلى عظمة أنفه بإرتباك : _ آسف لإني أيقظتك . _ لمّ أكنُ نائماً كُنتُ أقرأ، هل أنتَ من اتصل على هاتفي ؟ كُنتُ أكذب.. كان إرتباكه عظيماً.. والعِرق الأخضر يسار عنقه ينبض بطريقة مخيفة .. لمّ أكُن لأزيد توتره  إن علم أنّي أستعد للنوم . _ نعم .. _ ماذا تُريد ؟ _ هُناك صوت في الخارج .. _ أين ؟ _ في الفناء الخارجي .. _ أنتَ تتوهم اللصوص أذكى منّ يُصدروا أصواتاً .. _ أقسم لك، تعال وأقترب من باب الدرج .. ذهبتُ معه وضعتُ أذني على الحديد البارد، لمّ أسمع صوتاً التفتُ إليه وفي فمي تتكور شتيمة .. سمعنا فجأة خبطات عنيفىة وصوت إحتكاك معدني ، قُلتُ له : _ هذه ليست حركة بشر ! بلع ريقه : _ ماذا تقصد ؟ _ أوه ذهب خيالك بعيداً جداً .... هذه حركة حيوان . _ أنتَ تعلم لايوجد لدينا حيوان . _ قد تكون قطة  ... _ القطط لمّ...

عقوق

" في كُلِ زيارةٍ إلى بيته يُغمسُ فناجينَ القهوة وأكوابَ الشاي بثرثرته وسواليفه، تبدو عينيه مُتقدتين _ لمّ تفلح عدسات النظارة المُقعرة السميكة في إخفاء لمعانها _ ولمّ تؤثر تجاعيده المُتغضنة كجلد بعيرٍ جائع، ولا شيبهُ الرمادي المُكتسح لرأسهِ كُله في التقليل من إتقادهما، أو إخماد لسانه النشط . كُنتُ مُضطراً حينَ آتي لزيارته مع أبي كُلَ مرة، بحكم صداقتهما الضاربة بجذورها عميقاً كسِدرةٍ هرمة.. ولإن أبي في كُل مرة يُصرُ ويلحُ علي بزيارته .فلا أملكُ إلا هزةَ رأسٍ موافقة مداراة لخاطر أبي الشائب.. ونذهبُ كُل جمعة سويةً لبيت هذا الصديق . ثرثرته تُزعجني، حكيهُ متواصل كخيط صوف لا نهاية له، صوته عالٍ، ونبرتهُ نشاز، يخلطُ كُلَ الأمورِ ببعضها بشكلٍ مُنفر ! يتكلمُ في الماضي والحاضر، في الطبخِ والسفر، في الحبَ والأسرة، حتى الرقص وأسواق البورصة وأخبارُ إيران لمّ تفُته ... في آخر زيارةٍ له وضعتُ في جيبي قطعتين مدورتين من القطن، لأنعم بصممٍ مؤقت في حضرة هذا الستيني الثرثار، وليتولى رأسي المسكين بالإيماءات المُناسبة الخادعة . حينَ دلفنا بيت الشعر "خيمة "، وقبل أنّ أختلس وقتاً أضعُ فيه س...

فأسُ براغ

على الكتاب أنّ يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا _ فرانز كافكا أخبرتها اليوم عن ذلك الحلم ، ونَبَشَت في داخلي تلك الرغبة الملحة بالكتابة، المشكلة أن تلك الرغبة لا يصحو ماردها إلا في وقتٍ يكون تحقيقها صعباً ويتطلب مغامرة مجنونة، أو أحياناً تصرفاً خائناً نذلاً .. أعلمُ أنّ ما أكتبه مستفز، ويثير عواصف الحُنق التي تجتاحكم وأنتم تقرأون ما أكتبه الآن .. لذا سأبدأ برواية القصة دون مقدماتٍ حمقاء مُتحذلقة .  في ليلة من ليالي 2011، الثالث من ديسمبر تحديداً. أذكر كذلك أن اليوم كان الأحد، بدأتُ في قراءة المجلد الأول، كان المترجم يوقع ب الحرفين أ . و ،عرفتُ ذلك من أولِ صفحة .. من صفحة الإهداء طبعاً، لابد أنكم ستصلون إلى هذا الاستنتاج بسهولة إن كنتم قُراءاً مجانين مثلي، أما إن كنتم غير ذلك فوصولكم إلى تلك النتيجة يتطلب مجهوداً بسيطاً .. يشبه مجهود استخراج المميز من المعادلة الرياضية الشهيرة ! .. لا زلتُ أتحذلق ! .. سـ ابدأ بالحكاية فوراً، وسـ أحاول الخلاص من كائن الحذلقة هذا المحتك بي دوماً  ... كانت ليلةً باردة، الساعةُ تقترب من الثانية ليلاً .. ولا زالت أصابعي المُثلجة بسب...

تصابي !

 " الفستان الذي يرسم قدها الخالي من الشحوم، ضحكتها ،وطلاء شفتيها الدسم، وأسنانها الكاملة بلون الحليب ..لم يخفوا تلك التجعيدة التي تكونت عند غمازتها العجوز ،حين ضحكت بصخبٍ مفاجئ ! "

فُستان مُمزق

يبدو عقلي كالفستان الذي أمامي ، مليئ ببقع الفراغ التي تحوطها خيوطٌ أرجوانية مُشعثة .. هذا الفستانًُ يقفُ أمامي بكامل غوايته التي تتمثل بلونه الأرجواني الداكن ، منقوشٌ بورود لا بد وأن تكون حمراء فاقعة ، أكادٌ ألمح مياسمها البيض كنقُطٍ منتشرة .. قطعةٌ فاخرةُ بالفعل ! خسارةٌ أنّ تموتَ مُمزقة ! هذا الفستانُ المنكمش لو امتدَ على جسدٍ كجسدي سيصل إلى الركبتين بالضبط ، لونه وإتساعه الهادئ بعد ضيقٍ منحوت على الخصر يمنحُ الساقين طولاُ وجمالاً لافتاً .. خسارة أن تذبُل ساقيّ بعد تمزق الفستان ! أتنهد وأحمل جمجمتي الثقيلة بالفراغ على كتفيّ ، أحنقُ عليّ .. أفكر من يمنح الجمال لي ؟ جسدي أم الفستان ؟ هلّ أبدو جميلة دون إنسداله على جسدي الأصفر ؟ دون ياقتيه التي تلامس أطراف شعري البُنيّ المقصوص لتُعطي لعنقي طولاً إضافياً ؟ أتجرد من ثوب النوم القطني ، أخلعُ بقية القطع... أتهادى عاريةً كمجنونة ، أرقص على أنغام بيانو لموسيقار يوناني .. أقتربُ من المرآة ، ألمحُ طيفي سريعا ، أطبقُ عيني وأنا أدور دورة بطيئة حولي .. أبتعدُ عن المرآة ، جمهور yanni يُصفقْ ، أتنهد .. وأستنشق عبيراً حبرياً مُغبراً، أفتح عينيّ...

ألوان الخوف

" بأقدام مثقلة إنهاكًا وتعبًا، دخلتُ إلى المطبخ الرمادي، رفعتُ أكمامي البيضاء، ( دلقت ) الصابون في زبدية عميقة، أفتح الصنبور، أمكث لحظات حتى يسخن الماء الجاري بقوة، ليصطدم بالصابون الأحمر الممزوج برائحة الفراولة، فيغدو سائلاً يشبه الدم، تقززت حينما جال بخاطري أن أصابعي تتمرغ في دمٍ صافٍ أحمر. أدرتُ الصنبور في وجل، توقَّفَ اندفاع الماء، جففت يديّ بوضعهما على قميص الجامعة، درت نصف دورة حتى أُرخي جسدي، وتتهالك قدماي، معلنة عدم قدرتها على الوقوف، أُسند ظهري على دولاب (المجلى)، أُغمض عينيّ، صوَر عديدة تدور بين تلافيف مخِّي، ألتقط منها صورة محاضرة الفيزياء اليوم، صورة طفلٍ جميلٍ أشقر، تلفازٌ مظلم صامت. أبتر تتابع الذكرى القريبة، أتمتم.... ألعن الفيزياء في سرِّي، لا بد أنها لوثتْ عقلي هذه الظهيرة؛ لكن أطباق الصيني ما زالت لزجة، بقايا المكرونة الرطبة يغري بغسيلها. أثب ! ... أرفع أكمامي ( المعفطة ) المعروقة، تتصاعد رائحة الصابون مع الرغوة البيضاء في الحوض، أبدأ بغسل الأطباق بالماء، ألمح حركة خاطفة سريعة أمام بصري، ترفُّ عيني اليسرى لمشاهدتها، ألمح جسمًا كلون العسل، لامعًا، برَّاقًا...

صورة

لا زال بذات الشارب الناعم الخفيف ، والوجه المستدير، الأسمر، المُشرَبْ بـحمرة .. ولا زال بتلك العينين السوداوين البالغتي الحنوْ ، و بـ إبتسامته الأبدية التي رسمت ملامحها على الشفاة الرقيقة .. هوَ : بذاتِ ( الشماغ ) ، وذاتِ العِقَال الرخو ، وذات الطيبة التي رُسمتْ تفاصيلها بشمولٍ على الوجه المستدير . هوَ : كما هوَ ! لمّ يتغير يتغير أبداً .. ما عدا ذلك اللون الثلجي الذي تصبغت بها شعيرات اللحية الخفيفة والشارب المرهف .. لمّ يُغيرك سواه ! ... لمّ يغيرك سوى تمازج ودوران ألوان الطيوف جميعها : الأحمر والبرتقالي ، والأصفر والأخضر ، والأزرق ، والنيلي والبنفسجي . لمّ يُغيرك سواه .. لونُ النور : اللون الأبيض . ــــــــ _ أعددتِ الشاي يا ابنتي ؟ _ نعم يا أبي . ــــــــ ... أدُسُ الصورة بين أصابعي وانا أناوله الشاي بيدي الأخرى .. أهربْ ، أفُرْ ، بحجة غسلْ الأطباق . .. أعود لتأملها.. أيُ حيرة ؟ .. بل أيُ أفكارٍ قذفت بها هذهِ الصورةُ في فؤادي ؟؟ ..اسئلها : من انا ؟!! هل لازلتُ تلك الفتاة الصغيرة التي تباهي بقدومكَ عند باب المدرسة ؟؟ أم تلك الأخرى التي تودعُكَ على أبواب الثان...

وكانت هوة بلا قرار !

ظلي وظلك يلعبان في عقلي ، أراهما يتاضاحكان بفرح الحب ..بعذوبة ذلك الإحساس ، بحرارته ، بصفائه .. تتعرى القلوب حين تحب ، تخلع أرديتها السوداء ، تخلع عنها خيانة بغيضة وكرهاً وعبوس .. فهل كان قلبك وأنت معي يخلع أرديته ؟؟ هل كان يرتدي دمّك الأحمر الذي أرى لونه في نبضات قلبك المتضخمة في أُذني ، وأنا أضع رأسي على صدرك .. أرى ردائك الأحمر نقياً عاشقاً .. فهل أنت متأكد من أن أرديتك السوداء لا وجود لها ؟؟ أم أن لك قلبين ؟؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا تكذب فأحلامي تراك ، رأيتك وأنت تخونني .. سألتك : لمّ خنتني معها ؟؟ أجبتني وأنت تضحك : هي أتتني ، صدقيني لمّ أخُنّك .. دائماُ تقذف في جوفي حجراً صلباً من برودك ولا مبالاتك ، وحين تلتقي أعيننا أرى فيهما حباً وأشم لضحكتك خطأً تواريه بقهقهاتك .. فأعصب عينيّ وأستمر في نعش حبك ! اليوم أزلت العصابة ، و رأيتك تحبني وتخون كأن الخيانة هي أُ كسجينك كي تحيا ، قلت لك : شكواي إلى الله .. قلت : لمّ ؟ لمّ وكأنك لم تفعل شيئاً ، مسكين ... أنا من أرى الخيانة وأنت تفعلها وأنت متأكد أن قلبي به رمدٌ مزمن ..... ! لمّ ظننت ي...

( سرير الأشباح ) ... قصة قصيرة

أحسّ بموجة هواءٍ حارة ، عرف أن النافذة جواره فُتَحت لثانية ثم غُلَقت ، حاول أن يرفع رمشيه الباردين ، حاول أن يقاوم ثِقَل المرض الماكث في خلايا جفنيه ... ، حاول ولم يفلح ، تمنى أن يرى الدنيا من نافذة السيارة المُسجّى على مرتبتها .. كان رأسه يقع تحت كوتها مباشرة ، مرة ثانية أحس بشيئٍ حار يلسع وجهه دون أن يشم الهواء ، عَرَفّ أن الشمس نجحت في مقاومة غيمة وتبديد ظلمتها الرمادية . أعياه الإحساس المشلول بالأجساد والأشياء حوله ، تمنى لو يُقَطِعُ جسده ، يفتته إلى قِطّع صغيرة ، ثم يبعثر ذاته في الفضاء عبر النافذة حتى لا يبقى منه سوى دُفقة نور ... روحه المُنهكة ! حينها قد تفضحه رائحة المرض والسرطان الذي سكن هيكله المسكين بضع سنين ، ودمّر حياته ، حتى أنه ذاق الموت أو كاد مراتٍ عديدة... أصطدمت رأسه بالمرتبة الأمامية بفعل القصور الذاتي _ حين توقفت المركبة _ ... ماذا قُلت ؟؟ قصور ذاتي ؟؟ لازالت العلوم الطبيعية تحفر عقلي ، وتُذَكرني بأني كنت مُدرساً محبوباً لمادة العلوم ..احترق جفنّاي، لابد أن الدموع تثابر لمقاومة الصمغ المتلبد بين الرموش .. أحسست بيديّ إبني سعيد وهو يتحسس قدميّ ليطمئن عل...